سهيلة عبد الباعث الترجمان

417

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

ويميز ابن عربي بين معنى الخشوع والفناء من حيث أن كليهما نتيجة للتجلي الإلهي إذ أن التجلي الإلهي يعم الجميع فيقول : " . . . لأن الفناء لا يكون إلا عن تجل إلهيّ في غير صورة كونية ، لأن التجلي في صور المثل إذا عرف أنه عين الصورة اتصف المتجلّى له بالخشوع لا بالفناء . سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الكسوف فقال صلّى اللّه عليه وسلّم " ما تجلى اللّه لشيء إلا خشع له " فلهذا قلنا بالخشوع لا بالفناء " « 1 » ولهذا جاء معنى الفناء مغايرا لمعنى الخشوع إذ الفناء ذهاب الشيء عن وجوده ، فأهل الكشف يرون شهودا " أن كل تجل يعطي خلقا جديدا ويذهب بخلق ، فذهابه هو عين الفناء عند التجلي " « 2 » . وقد تعرض القائلون بفكرة الفناء لهجوم الكثيرين من نقاد الصوفية واتهموهم بالقول بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود وذلك من فهمهم الخاطىء لمعنى الفناء . فابن الجوزي في كتابه " تلبيس إبليس " يطلعنا على آرائه واتهاماته لهذه الجماعة فيقول بأن منهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة ، فادعى عشق الحق والهيمان فيه ، فإنهم تخايلوا شخصا مستحسن الصورة ، فهاموا به ، وهؤلاء بين الكفر والبدعة ، ثم تشعبت بأقوام منهم الطرق ، ففسدت عقائدهم . فمن هؤلاء من قال بالحلول ، ومنهم من قال بالاتحاد « 3 » . وهذا ما دفع الكلاباذي إلى الدفاع عن فكرة الفناء عند الصوفية ومفهومها لديهم بقوله : ليس الفاني بالصعق ولا بالمعتوه ولا الزائل عنه أوصاف البشرية فيصير ملكا أو روحانيا ، ولكنه ممن فني عن شهود حظوظه « 4 » . وابن عربي كعادته يحاول الرد على منتقديه من الصوفية والفقهاء ، مبينا خطأهم فيما قصدوا ، مؤكدا على جانب الصدق في مذهبه . فقد قال في حق الحق وفناء الخلق وبقائهم به شعرا : لولا وجود الحق في الخلق * لم يبق من يبقى ومن يبقي

--> ( 1 ) الحديث : أخرجه النسائي رقم 1470 وابن ماجة برقم 1252 ، وأخرجه البيهقي والدارقطني كذلك في مسند الفردوس 599 . ( انظر الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 107 ) . ( 2 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، فص سليماني ، ص 158 . ( 3 ) ابن القيم الجوزي ، مصدر سابق ، ص 158 . ( 4 ) الكلاباذي ، التعرف لمذهب أهل التصوف ، مصدر سابق ، ص 130 .